منذ التطورات في
سوريا والإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، تتوالى المعلومات والتصريحات الرسمية في
العراق، عن وجود مساع عراقية تهدف إلى إبقاء القوات الأمريكية في البلاد، والتي من المقرر أن تبدأ بالانسحاب في أيلول/ سبتمبر من العام الجاري.
وفي أيلول/ سبتمبر 2024، اتفقت واشنطن وبغداد على خطة انتقالية لانسحاب القوات الأمريكية من قواعد في العراق في مرحلة أولى تستمر حتى أيلول/ سبتمبر 2025، ثم من إقليم كردستان، بحلول أيلول/ سبتمبر 2026.
"اتفاقية جديدة"
ومع بقاء 6 أشهر على تنفيذ خطة
الانسحاب، خرج وزير الدفاع العراقي، ثابت العباسي، بتصريحات الثلاثاء الماضي، أكد
فيها أن بلاده طرحت اتفاقية أمنية جديدة على الولايات المتحدة الأمريكية "تنص
على شراكة أمنية مستدامة وتعاون استخباري"، مؤكدا أنها "لا تزال قيد
الدراسة".
وأكد العباسي، أن العراق يفضل بقاء القوات الأمريكية في سوريا إلى حين بناء الجيش السوري أو الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، لافتا إلى عدم سحب التعزيزات العراقية عند الحدود بين العراق وسوريا قبل أن يمسك الجانب السوري بحدوده جيدا.
وأوضح الوزير العراقي، أن هذه التعزيزات "أخذت بالحسبان الفراغ الأمني إذا انسحبت ’قسد’ أو القوات الأمريكية".
اظهار أخبار متعلقة
وقبل ذلك بنحو أسبوع، أكد تقرير نشرته قناة محلية عراقية أن الولايات المتحدة تبلّغت من الحكومة العراقية أنها تريد بقاء القوات الأمريكية على أراضي العراق، وإلغاء الاتفاق بين بغداد وواشنطن، والذي ينص على انسحابها بحلول شهر أيلول/ سبتمبر المقبل في مرحلة أولى.
وبحسب ما نشره موقع قناة "الرشيد" الفضائية، فإن "هذا التحوّل الواسع في موقف الحكومة العراقية يعود إلى انقلاب الأوضاع في سوريا، وأن حكومة العراق كانت تطالب إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن بالتوصل إلى اتفاق حول انسحاب قوات بلاده".
وفي 25 من شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، توقع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين بقاء القوات الأمريكية في العراق والمنطقة في ظل العهدة الجديدة للرئيس دونالد ترامب، خاصة على ضوء ما تشهده المنطقة من نزاعات وتحولات جذرية، خصوصا في سوريا.
وعلى الوتيرة ذاتها، أكد علي فضل الله٬ الخبير الأمني المقرب من الفصائل الموالية لإيران، أنه يفضل بقاء القوات الأمريكية لموازنة القوة في المنطقة، خصوصا بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، بعدما كان من أشد المطالبين بانسحابها خلال المدة الماضية.
ولم يصدر أي تصريح من الحكومة العراقية ينفي أو يؤكد الحديث عن طلبها من الولايات المتحدة إبقاء القوات الأمريكية البقاء في العراق، وإلغاء ما جرى الاتفاق عليه سابقا بين واشنطن وبغداد بخصوص الانسحاب المقرر تطبيقه في أيلول/ سبتمبر المقبل.
اظهار أخبار متعلقة
تغيّر المعطيات
من جهته، قال معن الجبوري
المستشار السابق في وزارة الدفاع العراقية، لـ"عربي21" إن "موضوع
انسحاب القوات الأمريكية لم يطرح من الجانب الأمريكي في جميع المفاوضات التي جرت
مع الحكومة العراقية سواء الحالية أو السابقة في عهد رئيس الوزراء السابق مصطفى
الكاظمي".
وأضاف الجبوري أن "الحديث عن الانسحاب كان يطرح من طرف العراق فقط، وهذا يتعلق بوجود أحزاب وقوى سياسة موالية لإيران تضغط على الحكومة وتحاول إيصال رسالة بأنها تعمل على إخراج القوات الأمريكية، رغم أن وجودهم وفق اتفاقيات ومعاهدات استراتيجية مبرمة بين البلدين".
ورأى الجبوري أن "العراق حتى اللحظة بحاجة إلى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ويقدم تسهيلات كبيرة للجانب العراقي، خصوصا أن ظروف المنطقة متغيرة بشكل سريع خلال الأشهر الأخيرة".
وأشار إلى أن "الكثير من القوى السياسية مقتنعة بأن الوجود الأمريكي فيه إيجابية كبيرة، والأهم من ذلك هو أن القوات المسلحة العراقية هي التي تقرر ذلك، ولا يمكن للبرلماني والسياسي أن يحدد ماهية الحاجة، والاتفاق الذي يجب أن يبرم مع الجانب الأمريكي".
ولفت إلى أن "الاتفاقية الجديدة إذا تمت فهي وفق مقترح من الجانب الأمريكي، بأن يكون اتفاقا ثنائيا بعيد المدى ربما يصل إلى عشرات السنين، ويلزم حكومات البلدين العمل به، ولكن هذا أيضا لا يتعلق بخروج القوات الأمريكية من العراق".
اظهار أخبار متعلقة
وبحسب الجبوري، فإنه "في الآونة الأخيرة صرّح الكثير من المسؤولين والمعنيين العراقيين بأن على القوات الأمريكية أن تبقى في سوريا خلال هذه المدة من أجل مقاتلة تنظيم الدولة لعدم وصول الفوضى إلى العراق".
وتساءل الخبير، قائلا: "إذا كانت هذه القوات مفيدة في سوريا ويمكن أن تحد من نفوذ تنظيم الدولة وتكبح جماح أي حالة فوضوية ممكن أن تحدث، فلماذا يجب أن تخرج من العراق وتبقى في سوريا؟ لذلك فإن هذا يعطي رسالة أن القرار يتخذ بطريقة غير مهنية".
وفي السياق ذاته، قال الخبير الأمني والاستراتيجي العراقي، مخلد حازم، لـ"عربي21" إن "هناك مفاوضات ضمن لجان مشتركة كانت تريد للعراق اتفاقيات ثنائية أمنية مستدامة مع الجانب الأمريكي وباقي دول التحالف الدولي، لكن المتغيرات هي التي تفرض نفسها على الواقع".
وأضاف أن "ما حصل في سوريا غيّر موازين بوصلة الاتفاقيات، لأن الوضع هناك بالنسبة للعراق غير مستقر، ونحن نرتبط بشريط حدودي مع سوريا يصل إلى نحو 600 كلم، وهناك سجون لمعتقلي تنظيم الدولة ومخيم الهول الذي يضم عائلاتهم التي تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"".
وأشار إلى أن "قوات (قسد) لم يحسم أمرها بالانضمام إلى وزارة الدفاع السورية حتى الآن، وفي حال لم يحصل اتفاق بينها وبين الحكومة السورية الجديدة، فلربما تنشب صدامات بين الطرفين، وهذا ما يتحوّف منه العراق، وبالتالي فإن انسحاب قوات التحالف في هذه المرحلة لا يصب في مصلحته".
وشدد حازم على أن "جود قوات التحالف الدولي في العراق بهذه المرحلة يُعد شيئا من الضمانة، وذلك لارتباطها مع قوات التحالف الموجودة على الأراضي السورية، وهي بالتالي تسيطر على مخيم الهول والسجون في غويران والحسكة بشكل عام".
وأعرب الخبير عن اعتقاده "بتبلور رؤية جديدة لدى الحكومة العراقية، وتحديدا وزارة الدفاع، تفيد بضرورة التريث في مسألة انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق خلال هذه المرحلة".
ورجح حازم أن "الاتفاق الجديد الذي صرّح به وزير الدفاع العراقي، هو ما جرى الحديث عنه سابقا من عقد اتفاقية أمنية مشتركة بين العراق والولايات المتحدة، وأن الأرضية اليوم مناسبة لإبرامها لحماية البلد في حال تعرض إلى خطر خارجي".
وبحسب الخبير، فإن "الاتفاقية الجديدة تلزم أمريكا بالدفاع عن الأراضي العراقية، وليس كما هو الحال عليه الآن في ظل اتفاقية الإطار الاستراتيجي، التي لا تلزم الطرف الأمريكي بذلك، بالتالي أتوقع أن يذهب العراق بهذا الاتجاه حتى يحمي الشريط الحدودي بين سوريا والعراق".
"خفض السقف"
وبخصوص الرد المحتمل من الفصائل
الموالية لإيران حيال بقاء القوات الأمريكية في العراق، رأى حازم أن "ما حصل
في سوريا ولبنان هو كان خير دليل على أن الفصائل بدأت تفقد قوتها وسطوتها ضمن محور
المقاومة أو ما يعرف بوحدة الساحات".
اظهار أخبار متعلقة
وأكد الخبير العراقي أن "ما كانت تطالب به هذه الفصائل فأتوقع أنها لن تعود للحديث عنه الآن، وإنما تتعاطى مع الوضع الدولي والإقليمي والمتغيرات الحاصلة بالشرق الأوسط، لأن ما يطالبون فيه لا يصب في مصلحة العراق ومصلحتهم، فقد تعرّض نفسها إلى استهداف من القوات الأمريكية وأطراف أخرى".
وتابع: "الجميع اليوم يتعامل بحذر شديد، وحتى طهران نراها قد خفضت سقف خطابها بخصوص محور المقاومة، وأن ما تصرح به
إيران الثورة يختلف عن ما يصدر من إيران الدولة".
وتوقع حازم أن "تتوقف الفصائل عن المطالبة بإخراج القوات الأمريكية، خصوصا مع وجود رؤية متبلورة بضرورة حلّها في العراق، وهناك من يفرض على الحكومة العراقية اتخاذ موقف من هذه الفصائل، والتي تمثل امتدادا لإيران".
وفي هذه النقطة أيضا، علق المستشار السابق، معن الجبوري، قائلا: "لم نعد من مدة نسمع أصوات الفصائل ودعواتها المطالبة بإخراج القوات الأمريكية من العراق، والتي كانت تطلقها الجهات الموالية لإيران، وتتحدث عن أنها ستتخلى عن سلاحها مع رحيل هذه القوات".
وأكد الجبوري أن "المتغير الإقليمي يلقي بظلاله على الداخل العراقي، وأصبحت قناعة أن المطالبة برحيل القوات الأمريكية تخلق أعداء جددا، وحالة من التشتت السياسي والدبلوماسي في العراق".
وفي الثامن من كانون الثاني/ يناير الماضي، صرّح المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، بالقول إن "الأدلة والشواهد تؤكد أن الأمريكيين يسعون إلى تثبيت وتعزيز وجودهم في العراق، لذا فإنه يجب التصدي لهذا الاحتلال بجدية".
وأضاف خامنئي، عبر منصة "إكس" عقب استقباله رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، أن "وجود القوات الأمريكية المحتلة في العراق غير قانوني ويتعارض مع مصالح شعب العراق وحكومته".
وجاءت زيارة السوداني إلى إيران، في ظل الضغوط الأمريكية التي تمارس ضد الحكومة العراقية لتفكيك الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، وتسليم سلاحها إلى الدولة، وفي حال لم يتم ذلك، فإنها ستأخذ جانب القوة في حلّها، بحسب ما صرّح به مسؤولون عراقيون.