كتاب عربي 21

أين إسرائيل من هؤلاء؟

جعفر عباس
نعم، إسرائيل تعربد اليوم باليمين والشمال، ولكنها تعيش في عزلة خانقة، وتكاد تكون بلا نصير واحد في نصف الكرة الجنوبي، وحتى في النصف الشمالي فإنها مكروهة أكثر من كوريا الشمالية.. الأناضول
نعم، إسرائيل تعربد اليوم باليمين والشمال، ولكنها تعيش في عزلة خانقة، وتكاد تكون بلا نصير واحد في نصف الكرة الجنوبي، وحتى في النصف الشمالي فإنها مكروهة أكثر من كوريا الشمالية.. الأناضول
شارك الخبر
واعترفت إسرائيل بجمهورية أرض الصومال. ويا لسعد "الأرضيين الصوماليين"، ولكن ما من أحد يقول "الله يهني سعيد بسعيدة"، لأن ما حدث مشمول بالمثل الشعبي السوداني القائل "التأم المتعوس مع خائب الرجاء"، وهو ما يقابل المثل العربي القديم "وافق شَنٌّ طَبَقة"، وشن هنا هو عبد الرحمن محمد عبد الله، الرئيس الأرض صومالي، وطبقة هو رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، فقد جاء الاعتراف بدولة مفبركة (أرض الصومال)، من دولة ما تزال تستجدي الاعتراف، لأنها أول دولة في التاريخ، تمت فبركتها برفع أياد، لم ير رافعوها الأرض التي وافقوا على أن تقوم تلك الدولة عليها.

اعترفت إسرائيل بأرض الصومال كيانا مستقلا ذا سيادة، بوصفها (إسرائيل) قوة إقليمية عظمى، وجنون العظمة يصيب من كان يعاني من مركب نقص، ومهما تَعَنْتَر وتَفَرعن قادة إسرائيل السابقون والحاليون، فإن ما لا يغيب عنهم، هو أن دولتهم قامت على الصدقات والتبرعات. فقد تبرعت بريطانيا لهم بأرض فلسطين، ثم وهي مثقلة بوخز الضمير، قدمت دول أوروبا الغربية، وتحديدا ألمانيا "دِيات" مليارية عن ضحايا المحرقة النازية من اليهود. الذين ما زالت إسرائيل تلوح بقمصانهم. واليوم لم تبق حنفية مال تصب في إسرائيل، إلا تلك التي رأس أنبوبها في الولايات المتحدة.

اعترفت إسرائيل بأرض الصومال كيانا مستقلا ذا سيادة، بوصفها (إسرائيل) قوة إقليمية عظمى، وجنون العظمة يصيب من كان يعاني من مركب نقص، ومهما تَعَنْتَر وتَفَرعن قادة إسرائيل السابقون والحاليون، فإن ما لا يغيب عنهم، هو أن دولتهم قامت على الصدقات والتبرعات.
إسرائيل دولة شديدة الهشاشة، ولكنها تملك قوة عسكرية ضخمة، جعلتها تمارس غطرسة القوة، بأن جعلت من نفسها فتوة/ قبضاي منطقة الشرق الأوسط، ولكن تلك القوة فضل زاد الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، وما يقلق قادة إسرائيل الحاليين وهم من غلاة اليمين، هو تنامي كره مختلف شعوب الأرض لهم في السنوات الأخيرة، مما حدا بالعديد من الحكومات الأوروبية الجهر باستنكار نهجها العدواني، ولكن الكابوس الذي يزور أولئك القادة في الصحو والمنام، هو أن غلاة اليمين الأمريكي الذي ظل الراعي الرسمي لدولتهم انقلبوا عليها مؤخرا، وأقامت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" في عددها الصادر في 29 كانون أول/ ديسمبر المنصرم مأتما وعويلا، لأن معاداة السامية في ارتفاع صاروخي في الولايات المتحدة، ونعت على وجه التحديد على تاكر كارلسون، وكانديس أوينز، أنهما صارا رأس الرمح في إشاعة تلك "المعاداة"، وما ذلك إلا لأن كليهما من أبرز نجوم "ماغا"، ذلك الكيان اليميني الاستعلائي، الذي ينادي ب"جعل أمريكا عظيمة مجددا". ويقف المنضوون تحت راياته بصلابة مع الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، وهو يشطح وينطح في كل الاتجاهات، وترامب هو الرجل  الذي قال له الإعلامي الأمريكي البارز مارك ليفِن في أواخر عام 2019 "أنت أول يهودي يصبح رئيسا لأمريكا". ومن ثم فإن انقلاب أنصار ماغا وترامب على إسرائيل، ينذر بقفل حنفية المساعدات الأمريكية السخية، التي هي قوام اقتصاد وجيش إسرائيل.

وبعد حرب إسرائيل على غزة، دبت الروح في أوصال منظمة  "أصدقاء الشرق الأوسط الأمريكيون" التي تم تأسيسها عام 1951، فصارت فعليا مجموعة ضغط مسيحية ذات نفوذ هائل تناهض سياسات إسرائيل، وارتفعت أسهم منظمة "يهود يعادون الصهيونية" بين اليهود. وصعد عموديا نفوذ وشعبية "اللجنة الأمريكية العربية ضد التمييز" حتى تحولت في السنوات الأخيرة الى مجموعة ضغط معادية لإسرائيل على جميع المستويات الرسمية والشعبية، كما ارتفعت أسهم "مجلس المصلحة الوطنية"، وهي منظمة أمريكية اختارت هذا الاسم، ليقول بقوة إن مصالح الولايات المتحدة مُقدَّمة على مصالح إسرائيل. وبلغ الهلع بالإسرائيليين من انقلاب الرأي العام الغربي عليهم، أن ناحت صحيفة جيروسالم بوست الإسرائيلية ولطمت الخدود وشقت الجيوب، لأن ويكيبيديا وهي أكبر موسوعة عرفها التاريخ "صارت غوغائية، ومنصة لمن يعادون إسرائيل ومن بينهم جمعيات يهودية أمريكية"، وأضافت الصحيفة أن معظم ذلك العداء من تحت رأس الملياردير اليهودي الأمريكي جورج سوروس، لكونه من اقترح في عام 2006 تشكيل مجموعة ضغط أمريكية في الكونغرس مناهضة لإسرائيل (ومن ثم لم يكن مستغربا أن يدعو ترامب قبل شهور قليلة، أذرعه الأمنية والقانونية لملاحقة سوروس بموجب القانون المعروف بريكو، والمتعلق بمكافحة الجريمة المنظمة وشبكات المراهنة غير القانونية، لأن سوروس وفي سياق حملاته المنظمة ضد السياسات الإسرائيلية، بات يناصر الحزب الديمقراطي على الحزب الجمهوري، والأخير يجاهر عبر تاريخه الحديث بمناصرة إسرائيل في المنشط والمكره).

بعد حرب إسرائيل على غزة، دبت الروح في أوصال منظمة "أصدقاء الشرق الأوسط الأمريكيون" التي تم تأسيسها عام 1951، فصارت فعليا مجموعة ضغط مسيحية ذات نفوذ هائل تناهض سياسات إسرائيل، وارتفعت أسهم منظمة "يهود يعادون الصهيونية" بين اليهود.
نعم، إسرائيل تعربد اليوم باليمين والشمال، ولكنها تعيش في عزلة خانقة، وتكاد تكون بلا نصير واحد في نصف الكرة الجنوبي، وحتى في النصف الشمالي فإنها مكروهة أكثر من كوريا الشمالية، التي ظلت تتعرض للشيطنة من جانب الحكومات الغربية منذ خمسينات القرن الماضي، ولا يتناطح كبشان حول أنه لا أمن أو استقرار لإسرائيل، طالما المسألة الفلسطينية غير محسومة بقيام الدولة الفلسطينية. بل إن المجتمع الإسرائيلي نفسه يتعرض للتفكك لأن شرائح كبيرة ومؤثرة فيه، ترى ان حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة الحالية، استنزفت الخزينة العامة وزجت بهم في حروب عدوانية متواصلة، مما يُجْلِس دولتهم على سطح صفيح ساخن، وطالما ان عقيدة الدولة الإسرائيلية هي الصهيونية التلمودية، وان عقيدة الجيش الإسرائيلي هي الدفاع عن الدولة اليهودية بالهجوم على الجيران، فإن شريحة كبيرة من سكان إسرائيل لا تجد نفسها ملزمة بالاندماج في أجواء عسكرة المجتمع الإسرائيلي، والمناخات العدائية الدائمة التي تعيش فيها إسرائيل، التي قامت أصلا بذريعة إيجاد وطن آمن لليهود، فإذا بالإحساس بانعدام الأمن هو الهاجس الذي يقلق مضاجع كل من يعيش في إسرائيل .

ومن المؤكد أن إسرائيل تحوز جيشا يتوفّر على عتاد شديد التطور، ولكن أين جيش الاتحاد السوفييتي الذي كان له قصب السبق في تحرير أوربا من قبضة نازيي ألمانيا؟ بل أين الاتحاد السوفييتي؟ وأين الجيش الأمريكي الموصوف بأنه الأقوى في العالم من جيش فلاحي فيتنام و...

أَينَ الأَكاسِرَةُ الجَبابِرَةُ الأُلى / كَنَزوا الكُنوزَ فَما بَقينَ وَلا بَقوا
 مِن كُلِّ مَن ضاقَ الفَضاءُ بِجَيشِهِ / حَتّى ثَوى فَحَواهُ لَحدٌ ضَيِّقُ
التعليقات (0)