كل عام نكرر الجملة
ذاتها، نسمع الخطابات نفسها، نرفع العلم ونصدح بالنشيد، بينما الواقع لا يتغير. تحولت
ذكرى
الاستقلال إلى طقس مكرّر، منزوع المعنى والقدسية، يُحتفل به لمجرد الاحتفال، حتى
صار أشبه بمن يحتفل بالفوز في سباق لم يشارك فيه أصلا.
جاء استقلال
ليبيا،
تلك اللحظة الرومانسية، بعد سنوات طويلة من الكفاح ضد الاحتلال الإيطالي، شملت المقاومة
الشعبية وحرب العصابات التي قادتها الحركة السنوسية، إلى جانب العمل السياسي والمفاوضات
والتحالفات الدولية. انتهت تلك المسيرة بالاصطفاف إلى جانب الحلفاء ودحر دول المحور،
وتكللت باستقلال برقة وتنصيب إدريس السنوسي أميرا عليها سنة 1949، ثم اتحادها مع طرابلس
وفزان في 24 ديسمبر 1951، لتتشكل المملكة الليبية المتحدة ويتوَّج إدريس الأول ملكا
عليها، تتويجا لمسيرة نضالية كُتبت بالدماء وسُطّرت بالتضحيات.
المشكلة لم تعد فقط في وجود الأجنبي أو سيطرته على مراكز اتخاذ القرار، بل فيمن يوقّع، ومن يمرّر، ومن يصمت
في ذلك اليوم، يوم
ولادة دولة هشة منذ بدايتها، ألقى الملك إدريس السنوسي خطاب الاستقلال من شرفة قصر
المنار في بنغازي، ورددت كلماته جملة أصبحت لاحقا أشبه بحكمة معلّقة في الذاكرة الليبية:
"الحفاظ على الاستقلال أصعب من نيله". جملة تكررت كثيرا،
لكنها نادرا ما قُرئت بعمق أو أُخذت على محمل الجد. بعد أربعة وسبعين عاما على إعلان
الاستقلال، يحق لنا أن نسأل بوضوح: أين نحن من هذه المقولة؟ وهل حافظنا فعلا على الاستقلال،
أم اكتفينا باستقلال شكلي واحتفالات خاوية من معناها؟
منذ الإطاحة بالنظام
الملكي في انقلاب الأول من أيلول/ سبتمبر 1969، الذي قاده الملازم معمر القذافي، كان
ملف "الاستقلال والسيادة" أحد أبرز الأوراق التي مكّنته من كسب شعبية واسعة.
إجلاء القواعد العسكرية الأجنبية وطرد المستوطنين كانا إنجازين حقيقيين، ويشهد بذلك
حتى خصوم القذافي قبل أنصاره. هذه حقيقة لا يمكن القفز فوقها، مهما اختلفنا مع نظامه
وأفكاره.
لكن واقع ليبيا اليوم،
وهي تحتفل بذكرى استقلالها، يبدو مستباحا بالكامل؛ قواعد عسكرية روسية وإماراتية وتركية
وإيطالية وفرنسية، أجواء مفتوحة للطيران الأجنبي، وأجهزة استخبارات إقليمية ودولية
تتحرك بحرية شبه مطلقة. تحولت البلاد إلى منطقة حرة للمرتزقة، والمياه الإقليمية إلى
فضاء بلا سيادة، وسقط ما كان يُعرف بخط الموت. السواحل أصبحت مكبّا كبيرا لنفايات الآخرين،
والحدود مشرعة أمام تجار البشر والمجموعات والفصائل المسلحة.
المشكلة لم تعد فقط
في وجود الأجنبي أو سيطرته على مراكز اتخاذ القرار، بل فيمن يوقّع، ومن يمرّر، ومن
يصمت. فالسيادة لا تُنتهك دائما بالدبابات؛ أحيانا يُفرّط فيها بخطاب، أو تُباع بتبرير،
أو تُسلَب بصمت طويل. ولهذا لا يمكن اختزال الاستقلال في طرد محتل أو رفع علم أو ترديد
نشيد؛ الاستقلال مسار طويل واختبار متجدد. ما نلناه قبل سبعة عقود ونصف كان لحظة تاريخية،
أما الحفاظ عليه فكان مسؤولية فشلنا فيها.
لا يمكن إعفاء الشارع والأغلبية الصامتة من مسؤوليتها أيضا. فهذا الواقع لم يكن ليستمر وحده، بل يتغذى على الخوف والصمت، وعلى تبرير الظلم باسم الاستقرار، وعلى قبول العقل الجمعي بالأمر الواقع بحجة الأمن
سلطات الأمر الواقع
التي تحكم ليبيا شرقا وغربا لا تتحرك بإرادة مستقلة، بل تدور في فلك القوى الإمبريالية
أو وكلائها الإقليميين. في الشرق، يقف خليفة
حفتر، ابن وكالة المخابرات الأمريكية،
الذي قضى قرابة ثلاثة عقود من حياته في شقة على الضفة الأخرى من النهر مقابل مقر وكالة
الاستخبارات الأمريكية في فرجينيا؛ رجل لا يتردد في تقديم التنازلات لأي طرف مقابل
البقاء في المشهد والطمع في الوصول إلى السلطة، هو وأبناؤه وعائلته. تارة يتقرب من
روسيا، وتارة يبيع ذمته للإمارات، ويتخابر سرا مع الكيان الصهيوني، ويرسل نجله لزيارة
تل أبيب، ولا يجد حرجا في أن يصرّح علنا بأن مصلحة مصر فوق مصلحة ليبيا. هو من حوّل
الشرق والجنوب إلى منطقة نفوذ مصرية، وبوابة روسية إلى أفريقيا، وحديقة مفتوحة للموساد.
وفي الغرب، لا يبدو
المشهد أفضل حالا؛ عبد الحميد
الدبيبة منبطح بالكامل لتركيا، يبرر وجودها العسكري ويشرعن
قواعدها، ولا يتردد في تقديم التنازلات، وآخرها ترسيم الحدود البحرية، مقابل بقائه.
الأمر نفسه ينطبق على إيطاليا، التي لم تعد تخفي حضورها العسكري ونفوذها السياسي والأمني،
حتى إن طرابلس أصبحت الوجهة الأكثر زيارة لرئيسة وزرائها، وكأنها ما زالت ترى فيها
"الشاطئ الرابع" لبقايا إمبراطورية منهارة. وهذه أمثلة بسيطة فقط على الاحتلال
بشكله الحديث، فحجم التغلغل والسيطرة على مفاصل القرار الليبي، سياسيا واقتصاديا وأمنيا،
أعمق بكثير مما تحتمله هذه السطور.
وهنا لا يمكن إعفاء
الشارع والأغلبية الصامتة من مسؤوليتها أيضا. فهذا الواقع لم يكن ليستمر وحده، بل يتغذى
على الخوف والصمت، وعلى تبرير الظلم باسم الاستقرار، وعلى قبول العقل الجمعي بالأمر
الواقع بحجة الأمن.
أمام هذا المشهد،
يصبح الاستقلال مجرد ذكرى ومناسبة شكلية، لم نحافظ عليه كما أوصى الملك المؤسس، فتحولت
ليبيا المفككة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، تُدار بأيدٍ ليبية
ارتهنت لقوى الاستعمار الجديد.
الاستقلال الذي ناله
الأجداد بالكفاح والسياسة، نضيّعه اليوم بالخوف والانقسام. ما نحتاجه فعلا هو استقلال
ثانٍ، لا مجرد احتفالات، استقلال حقيقي، لا تُرفع فيه الأعلام والشعارات فقط، بل تُستعاد
فيه الإرادة الحرة قبل السيادة.